مكب الصيرفي والمياه العادمة تقتل شرق نابلس ولا حلول للمشكلة سوى وعود متكررة من البلدية

يشتكي المواطن أبو عادل السعد الذي يسكن في بداية قرية الباذان شمال شرق مدينة نابلس من كثرة التلوث الذي تعاني منه المنطقة بسبب وجود مكب الصيرفي القائم على مدخل مدينة ناباس، والذي لا يقتصر ضرره على المنطقة المحيطة به فحسب بل يتعداه ليؤثر على القرى المحيطة وهي: سالمن ودير الحطب، وعزموط، والباذان. أبو عادل أخذ يحدثنا عن أوجه معاناته وعائلته بشكل شبه يومي بسبب مكب الصيرفي قائلا: "لانجرؤ على فتح نوافذ المنزل بسبب الهواء الملوث والنتن الذي يدخل منازلنا بسبب المكب، وعندا نقوم بمسح ابواب المنزل وأثاثه نجدها مكسوة باللون الأسود الناتج عن دخول الهواء الملوث بدخان النفايات التي يتم حرقها أحيانا.

وللتحقق من مدى الضرر الذي يتسبب به المكب توجهنا إلى منسق اللجنة الأهلية للمنطقة الشرقية في نابلس عامر الدجني، والذي أكد أن سكان المنطقة يعترضون على وجود المكب من إنشائه خلال انتفاضة الأقصى ولم يوافقوا منذ البداية على وجوده، ولكن تم التوافق مع رئيس البلدية آنذاك المحامي غسان الشكعة والمحافظ محمود العالول على أن هذا الوضع مؤقت وسيتم إزالة المكب فوز إزالة الحواجز من حول المدينة، وهو ما لم يتم حتى اللحظة.

وأوضح أن أهالي المنطقة منذ إزالة حاجز الصيرفي وحتى الآن توجهوا بعشرات الكتب والمراسلات للبلدية خلال المجلس البلدي السابق الذي كان يترأسه الحاج عدلي يعيش، والمجلس الحالي الذي يترأسه المحامي غسان الشكعة، وما كانوا يحصلون عليه سوى الوعود التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

وكانت اللجنة الأهلية وأهالي القرى المتضررة نظموا العديد من الاحتجاجات كان آخرها خلال شهر آذار، مؤكدا أن الفعاليات ستستمر لحين الاستجابة لمطالب الأهالي.

وأضاف: "ليس من المعقول استمرار الضرر على عدة قرى بسبب مصلحة مادية خاصة لعائلة، وهي العائلة التي تملك أرض المكب وتحصل على مبالغ مالية كبيرة مقابل استئجاره، وكيف للبلدية أن تقبل بوجود هذا المكب في مدخل المدينة".

ومما يزيد الطين بلة، كما يقول الدجني، أن سكان المنطقة رصدوا الكثير من حالات التخلص من النفايات في الوادي المجاور خاصة خلال الأعياد، بالإضافة إلى الحريق الذي اندلع في الوادي قبل عدة أشهر بسبب إضرام النار في المكب، وما تسبب به من ضرر.

رئيس مجلس قروي عزموط بدوره تناول أهم الأضرار التي تعاني منها القرية بسبب مكب الصيرفي، فكل نسمة هواء تجلب معها التلوث والروائح الكريهة، على حد تعبيره، عدا عن انتشار الخنازير والقوارض والكلاب الضالة، التي تقترب من المناطق السكنية في القرية، عدا عن الحريق الذي اندلع بسبب المكب العام الماضي والذي استغرق ثلاثة أيام لإخماده بالكامل.

وأكد أن المجلس القروي راسل البلدية كثيرا بهذا الخصوص ولم يصلهم أي رد على المراسلات، وهو ما اتفق معه به رئيس مجلس قروي الباذان محمد صلاحات، الذي أكد أن المجلس قام بعشرات المراسلات لبلدية نابلس لحل مشكلتي مكب الصيرفي، والمياه العادمة المتدفقة على القرية وفي كل مرة لم يكن يصلهم أي رد، وعادة تكون الردود عند إثارة الموضوع في وسائل الإعلام بالوعود وليس التفيذ.

ويعترض سكان المنطقة الشرقية والقرى المجاورة لها على وجود مكب الصيرفي، لما يتسبب به من أضرار يصفونها بالكارثية، وفي هذا السياق أوضح الدكتور عقيل الفارس عضو اللجنة الأهلية للمنطقة الشرقية أن هذه الأضرار تتمثل في التلوث البيئي الكبير في المنطقة بفعل الدخان الناجم عن الحرق، وانتشار القوارض والأمراض الجلدية والتنفسية، كما يقول الأهالي أن حالات السرطانات ارتفعت بشكل ملحوظ عن السابق وخاصة في قرية عزموط، ويزداد التأثير كلما كانت المنطقة أقرب للمكب، بالإضافة إلى ازدياد حوادث الانزلاق بسبب تسرب عصارة النفايات التي تؤدي أيضا إلى انبعاث روائح كريهة تؤثر على المناطق السكنية القريبة.

وأكد الفارس أنه وبالرغم من التوصيات العديدة من قبل لجان متخصصة بإزالة المكب إلا أنه لم يتم الحصول إلا على وعود تتبعها وعود، وأواخر هذه الوعود كانت خلال الحملة الانتخابية للبلدية عام 2012، حيث وعد الشكعة شخصيا بإزالة المكب في أقرب وقت ممكن، كما كان هناك وعد آخر من قبل الشكعة بإزالته مع بدايات العام 2014 خلال جلسة له مع أعضاء اللجنة الأهلية للمنطقة الشرقية، مضيفا: "ما تم تغييره فقط هو توقيع عقود شهرية وليس سنوية مع عائلة الصيرفي التي تستأجر البلدية أرضها للمكب، وهذه الخطوة تاتي لتسكيت الناس فقط وإيصال رسالة مفادها أننا سنقوم بنقل المكب".

وأوضح أن استمرار وجود المكب في المنطقة الشرقية سيعزز من تهميشها، "فلا يمكن إقامة مشاريع ومرافق حيوية في منطقة تحتوي هذا الكم من التلوث، علما أن أسعار الأراضي في المنطقة الشرقية انخفضت بنسبة 40% بسبب عدم إقبال الناس على الشراء فيها، وسعر دونم الأرض في الباذان على سبيل المثال لا يصل الـ 20 ألفا ولا نجد من يشتريه، علما أن السعر يصل إلى  100 ألف في مناطق أخرى بعيدة عن هذه الملوثات".

لاستيضاح موقف البلدية وردها توجهنا إلى خليل عاشور نائب رئيس بلدية نابلس، والذي أوضح أن البلدية بصدد نقل المكب، لكن الموضوع متوقف على إيجاد قطعة الأرض المناسبة لذلك، فلا يوجد أرض داخل حدود بلدية نابلس تمتلكها البلدية تصلح أن تكون نقطة ترحيل أو موقع لمعالجة النفايات، كما قال، وبالتالي أصبح من الضرورة أن يكون هذا الموقع خارج المدينة وهذه الأراضي تمتلكها الدولة أو المواطنين ومن مهام سلطة الأراضي وسلطة البيئة ووزارة الحكم المحلي إيجاد الموقع المناسب ليتم النقل له، علما أن البحث ما زال جار ولم يتم إيجاد أرض بالمواصفات المناسبة حتى الآن.

ونوه إلى أن هذه الجهات اقترحت أكثر من موقع، وتبين أنها غير ملائمة بسبب قربها من المناطق السكنية أو الزراعية، وبالتالي فإن إقامة مكب أو نقطة ترحيل فيها غير مجد وغير متوافق مع معايير الصحة.

وحول ما اشتكى منه المواطنون من إلقاء للنفايات في الوادي أكد أن البلدية لا تسمح بذلك، فالشركة التي تعاقدت معها البلدية تنقل النفايات من مكب الصيرفي إلى مكب زهرة الفنجان في جنين باستمرار، وتدفع البلدية للشركة مقابل ذلك حسب وزن الحمولة.

ونوه إلى أن دائرة الصحة التابعة للبلدية "تتابع موضوع نقطة الترحيل باستمرار وترش المواد الكيماوية لمنع انتشار القوارض والحشرات، وهناك موظف صحة دائم متواجد في المنطقة يعالج أي مشكلة تنشأ".

أما فيما يتعلق بإلقاء النفايات في الوادي فترة الأعياد وفقا لما شكا منه السكان، نوه عاشور إلى أن عمال النظافة في نابلس يعملون حتى الساعة السادسة من صباح يوم العيد، وتكون كل النفايات حتى ذلك الوقت تم ترحيلها إلى مكب زهرة الفنجان، وخلال يومي العيد تقل النفايات وخاصة في المناطق التجارية نظرا لأن هذه المحلات تغلق أبوابها أول وثاني أيام العيد، كما أن المقاول ملزم بنقل النفايات حتى في أيام العيد حسب التعاقد معه.
وحول الفترة الزمنية التي من الممكن أن يستغرقها موضوع نقل المكب، أكد عاشور أن الموضوع متوقف على إيجاد قطعة الأرض المناسبة، التي لم يتم إيجادها حتى الآن من قبل الجهات المتخصصة.

وبين أن البلدية تتكلف الكثير من المصاريف لحل مشكلة النفايات في نابلس بشكل عام، فأرض مكب الصيرفي مستأجرة من قبل البلدية بمبلغ 40 ألف شيقل شهريا، كما أن البلدية متعاقدة مع إحدى الشركات لترحيل النفايات من الصيرفي إلى مكب زهرة الفنجان في جنين، وهذا يكلف البلدية 170 ألف شيقل شهريا، ورسوم دفن النفايات أيضا يكلف البلدية 170 ألف شيقل، وبالتالي البلدية تدفع حوالي 400 ألف شيقل شهريا للتخلص من النفايات، ويوميا يخرج من مدينة نابلس من 200- 220 طن من النفايات.

أما قرية الباذان فلا تقتصر مشاكلها العالقة مع بلدية نابلس على مكب الصيرفي الذي يؤثر عليها بشكل كبير، بل يتعدى الأمر إلى مشكلة المياه العادمة المتدفقة إلى القرية عبر وادي الساجور.
عماد براهمة صاحب أحد المتنزهات السياحية في الباذان أشار إلى أن مشاكل الملوثات التي تعاني منها منطقة الباذان كثيرة ولكن حلولها قليلة أو شبه معدومة، وأحد أهم هذه الملوثات هي المياه العادمة التي تصل الباذان من نابلس عن طريق وادي الساجور، والتي أدت إلى تلويث الكثير من مصادر المياه الصالحة للشرب في الباذان بعد اختلاطها بالمياه العادمة.
ونوه إلى أن هذه المشكلة بدأت بالظهور بشكل ملحوظ في نهايات السبعينات وأوائل الثمانينات، وأدت إلى تلويث مياه وادي الباذان المعروفة بأنها مياه عذبة صالحة للشرب والاستخدامات الآدمية، وبدأت هذه المشكلة تزامنا مع التوسع العمراني في المنطقة الشرقية من مدينة نابلس.

وتسببت المياه العادمة المتدفقة فى الباذان في العديد من المشاكل على القطاعين الزراعي والسياحي بشكل خاص، فالحشرات والأمراض والروائح التي تتسبب بها المياه العادمة تعتبر عاملا منفرا للزوار والسياح الذين يقصدون الباذان والمتنزهات فيها بشكل أساسي.

 

وللتغلب على هذه المشكلة، أكد براهمة أن أصحاب المتنزهات قاموا بعمل بعض المشاريع على نفقتهم الخاصة، من خلال قيامهم بتغطية مجاري المياه العادمة والتي تمر بالقرب من متنزهاتهم، مؤكدا أن ذلك كلفهم الكثير من الأعباء المادية، فالأصل حل أساس المشكلة من قبل بلدية نابلس وإيقاف تدفق المياه العادمة واختلاطها بالمياه العذبة، قائلا: "بدلا من إنفاق هذه الاموال على الحلول الجزئية كان من المفترض أن نقوم بإنفاقها على توسيع المتنزهات ومدها بالمزيد من الخدمات التي يتم تقديمها للزبائن، مما يعزز من الواقع السياحي للبلدة.

ومما ساهم في ازدياد التكاليف والأعباء المالية على أصحاب المتنزهات، كما يقول براهمة، اضطرارهم لمد خطوط أنابيت لإيصال المياه العذبة من مصادرها إلى المسابح والمتنزهات، بعد أن كان ايصال المياه لا يحتاج إلى كل هذه التكاليف، وخاصة أنها كانت تمر بجوار المتنزهات عن طريق الوديان التي اختلطت حاليا بالمياه العادمة، ويقوم أصحاب المتنزهات بمد خطوط أنابيت يتراوح طولها ما بين 2- 4 كيلومترا لتصل المياه العذبة من مصادرها، مؤكدا غياب الدعم الحكومي والرسمي لأصحاب القطاع الخاص في هذا المجال.

ومما يزيد من تعقيد مشكلة التلوث ففي الباذان وجود مكب الصيرفي على المدخل الجنوبي لها، وهو المدخل الرئيسي للبلدة، واستنكر براهمة عدم ازالة مكب الصيرفي حتى الان وزيادة تعقيد المشكلة فيه، قائلا: الأصل أن يكون مدخل بلدة سياحة مليئ بالأحراش وليس بنكبات النفايات ومياه المجاري".

من جهته أشار المزارع محمد دبابسة إلى أن المياه العادمة عملت على تدمير القطاع الزراعي في الباذان بشكل كامل، بعد أن كانت البلدة هي السلة الغذائية لمدينة نابلس، وكانت تنتج بشكل كبير البندورة والباذنجان البلدي، والفلفل، والعناب والتفاح الخشابي وهو من الفواكه النادرة التي كانت تنتج في الباذان، إلا أن هذه المحاصيل لم تعد تنمو وتنجح في تربة الباذان بسبب تلوثها بالمياه العادمة.

وأكد انتشار البعوض والحشرات بأعداد كبيرة في وادي الباذان وهذا لم يكن موجودا في السابق عندما كانت المياه التي تجري في الوادي مياه عذبة.

أما الحاج منير صلاحات اشتكى من وجود الخنازير بكثرة في المنطقة بعد تفشي المياه العادمة، التي تعتبر البيئة الملائمة لانتشار الخنازير التي تعمل على تدمير الكثير من المحاصيل الزراعية، وهذه المشكلة لم تكن موجودة قبل المياه العادمة، لدرجة أن بعض المزارعين لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم المليئة بالخنازير.

وأكد أن الزيتون في الباذان تأثر بشكل كبير بسبب المياه العادمة، وظهرت فيه الكثير من الأمراض التي أثرت على جودة الثمر بشكل كبير، فمعظم ثمار الزيتون لا تصلح للبيع أو لاستخدامها في إعداد المخللات بسبب ظهور الندوب عليها، عدا عن سقوط الكثير من الثمار قبل نضوجها، منوها إلى أن معظم المزارعين خسروا مصدر رزقهم وانصرفوا عن العمل في الزراعة بعد أن كانت أراضيهم من أخصب الأراضي وأكثرها انتاجا.

مواقف أمان / تدخلات أمان

تقارير ذات علاقة