غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في خيمة نُصبت بشكل عشوائي قرب منتزه البلدية شرقي مدينة غزة، تجلس وجدان أبو عودة، وهي نازحة من بيت حانون، وسط عائلتها المكونة من ثلاثة عشر فردًا، وتبدأ بسرد رحلتها الطويلة الموجعة عبر ثمانية أشهر من النزوح. تقول لـ"نوى": "مررنا على مدارس ومخيمات، ورأينا الجوع بأشكاله، لكن وجع الظلم أصعب من وجع الجوع".
منذ أن اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، تنقلت وجدان (أم صلاح) بين جباليا شمالًا، ورفح وخانيونس جنوبًا، ودير البلح وسط قطاع غزة، قبل أن تستقر في ذلك المخيم العشوائي، بلا كهرباء أو ماء أو أدنى مقومات الحياة.
"منذ بداية الحرب، لم تصلني كرتونة ولا كيس طحين. من له علاقات يحصل على كل شيء، ومن ليس له أحد يُهمَل".
ورغم ضيق الحال، لم تحصل على أيٍ من الطرود الغذائية أو المساعدات، التي يُفترض أنها موجهة للنازحين. تضيف بغصّة: "منذ بداية الحرب، لم تصلني كرتونة ولا كيس طحين. من له علاقات يحصل على كل شيء، ومن ليس له أحد يُهمَل"، مردفةً: "طلبتُ خيمة، فأخبرني أحدهم أن اسمي موجود، وعندما واجهتُ المندوب، قال لي بحدة: اخرجي من هنا، المساعدات محجوبة عنكِ".
هذا التمييز ليس حالةً فردية، بل جزء من نمط متكرر، تعكسه شهادات نازحين آخرين التقت بهم "نوى". من هؤلاء، أبو محمد (48 عامًا)، النازح في مواصي خانيونس، جنوبي القطاع، ويعيل أسرته المكونة من ثمانية أفراد.
يخبرنا بنبرةٍ تمزج بين الغضب والانكسار: "طلبنا خيمًا وطرودًا صحية من أكثر من جهة، لكن لم ترد علينا سوى مؤسسة واحدة. باقي المؤسسات لا ترد إلا على المحسوبين من "الحبايب"، مضيفًا: "نُذَلّ لنحصل على ما يسد رمقنا. أصبح الحصول على كوبونة حلمًا بعيد المنال، فالواسطة صارت أقوى من الحاجة".
سوق مساعدات!
لينا مراد أيضًا، أرملة في مطلع الثلاثين وأم لأربع طفلات، فقدت زوجها في الحرب، وتقيم مع بناتها في خيمة واحدة. هي الأخرى تحكي بقهر: "أرسلتُ طلبات عبر الصفحات، اتصلتُ كثيرًا، لكن الردود معظمها وعود. كل ما أريده هو بطاقة طعام أو فرشة".
تقول إنها حصلت فقط على خيمة من مؤسسة، لكن حين طلبت مساعدة غذائية، رفضوا: "قالوا إنني استفدتُ مسبقًا".
وبالعودة إلى أم صلاح، فإنها تتحدث عن أن بعض النازحين في دير البلح، وسط القطاع، دفعوا أموالًا للتسجيل في برامج الغذاء العالمي! "30 شيكلًا للتسجيل، ولم تأتهم رسالة، ولم يحصلوا على كيس طحين".
"ما ذنب نازحة لديها ستة أطفال أن تدفع 100 شيكل فقط ليتم تسجيل اسمها؟ بعضهم يدفع ولا يظهر اسمه أصلًا".
وتتابع: "أصبحت المساعدات تجارة"، مشيرة إلى أن غياب وسائل الاتصال كالهاتف والإنترنت حرم آلاف الأسر من الوصول إلى الخدمات الإلكترونية.
وتتساءل بحرقة: "ما ذنب نازحة لديها ستة أطفال أن تدفع 100 شيكل فقط ليتم تسجيل اسمها؟ بعضهم يدفع ولا يظهر اسمه أصلًا"، متهمةً بعض المندوبين باحتكار القرار وتوزيع المساعدات حسب المزاج والانتماء العائلي أو الجغرافي.
وحول دور مؤسسات المجتمع المحلي في مراقبة توزيع المساعدات والتبرعات، في ظل الغياب شبه الكامل للجهات الرسمية بغزة، قال مدير شبكة المنظمات الأهلية في القطاع، أمجد الشوا، خلال إحدى المقابلات الصحفية: "المؤسسات الأهلية كانت المستجيب الأول لاحتياجات الناس منذ بداية العدوان على غزة، وقدمت مختلف الخدمات للنازحين"، مشيرًا إلى أن الشبكة تعمل على استنهاض دور المؤسسات، ومتابعة عملها من خلال جهد كبير يُبذل لتعزيز عدالة توزيع المساعدات في ظل قلتها، وتفادي التداعيات الخطيرة لعدم وجود عدالة في التوزيع.
وأضاف: "نحرص على وصول المساعدات لمستحقيها بناءً على الفئات الأكثر احتياجًا في مختلف المناطق: النساء والأطفال والمسنين والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة".
وكان الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، أصدر دليلًا لمنع الفساد في المساعدات الإنسانية وقت الطوارئ، أكد فيه أن الاستجابة يجب أن تقوم على أسس: الحياد، والشفافية، والمساءلة، دون النظر إلى الانتماءات السياسية أو المناطقية أو العلاقات الشخصية. مع ذلك، تؤكد الشهادات الميدانية، والمقابلات التي أجرتها "نوى"، أن هذه المبادئ غالبًا ما تُنتهك، في ظل انتشار المحسوبية، والتمييز بين المخيمات، وعدم تكافؤ فرص الحصول على الدعم.