بين الحاجة والمهانة ... المساعدات في غزة لا تصل للجائعين
بين الحاجة والمهانة ... المساعدات في غزة لا تصل للجائعين

غزة- وطن- أنسام القطاع: في قطاع غزة المُحاصر، لم تعد المساعدات الإنسانية ترفًا أو دعمًا إضافيًا، بل تحوّلت إلى شريان حياة لآلاف العائلات التي فقدت كل شيء تحت وطأة الحرب والجوع والحصار. ومع تفاقم الأزمة يوماً بعد يوم، بات مشهد الطوابير الطويلة أمام مراكز التوزيع، وصوت النداءات المبحوحة بحثًا عن سلة غذائية أو مساعدة نقدية، يعكس حجم المعاناة التي يعيشها السكان.
لكن خلف هذه الحاجة الملحة، تبرز معاناة من نوع آخر – معاناة من غياب العدالة والرقابة، ومن فوضى توزيع المساعدات التي كثيرًا ما لا تصل إلى من هم بأمسّ الحاجة إليها. في شهادات يرويها مواطنون وخبراء وممثلون عن مؤسسات المجتمع المدني، يتكشف واقع مأساوي يختلط فيه الفقر بالقهر، والاحتياج بالتمييز، وتُستبدل فيه العدالة بالمحاباة، في وقتٍ أصبح فيه لقمة العيش حلمًا بعيد المنال.
يقول المواطن يحيى سكيك إن عملية توزيع المساعدات النقدية والعينية "تعاني من فوضى واضحة ولا تصل إلى مستحقيها الحقيقيين". ويؤكد: "لم نستفد يومًا من أي من هذه المساعدات التي يُعلن عنها، وما نسمعه عنها لا يتجاوز كونه أخبارًا متداولة، لا نراها على أرض الواقع".
ويشير سكيك إلى أن الرقابة الفعلية على التوزيع إما غائبة أو شكلية، ما يفتح الباب أمام المحسوبية والتمييز، بل وحتى الاستغلال. ويقترح أن تكون هناك بدائل تضمن النزاهة والعدالة، مثل تشكيل لجان محلية مستقلة بإشراف مراقبين دوليين من منظمات محايدة، إلى جانب تفعيل أدوات رقمية تسجّل وتوثّق عمليات التوزيع بشكل علني وشفاف.
من جانبه، يرى المواطن محمد المصري أن "المساعدات التي تدخل إلى القطاع يشوبها الكثير من الإجحاف والضرر"، موضحًا أن "معظم الناس لا يحصلون على أي شيء منها، فيما تسيطر فئة معينة هدفها الاستيلاء على المساعدات وبيعها في السوق السوداء بأسعار خيالية".
ويضيف: "هذا الواقع ساهم في تجويع السكان وحرمانهم من أبسط مقومات العيش، حتى أن المساعدات الجيدة تُوزّع على (الحبايب) والعاملين في التوزيع، ونراها تُباع في الأسواق لاحقًا".
ويؤكد المصري أن غياب الرقابة لا يقتصر على المساعدات فقط، بل يطال أيضًا آليات التوظيف، حيث لا يتم اختيار الموظفين على أساس الكفاءة، بل بناءً على العلاقات الشخصية والانتماءات.
من جانبه أوضح المحلل الاقتصادي محمد أبو جياب أن توزيع المساعدات النقدية في قطاع غزة كان يتم في السابق عبر المنظمات الدولية، وخاصة من خلال منظمة "اليونيسف"، لكنه كان محدودًا جدًا، ، ولم يعد يُنفذ كما كان في السابق.
وأشار إلى أن بعض المنظمات كانت تستند إلى قدراتها الذاتية في عملية التوزيع، مما أدى إلى تفاوت في الأداء والنتائج بين مؤسسة وأخرى. ولفت إلى أن وكالة "الأونروا" كانت من أكثر الجهات قدرة على تنفيذ عمليات التوزيع، لما تمتلكه من قواعد بيانات متكاملة وآليات توزيع فعّالة ومراكز ومندوبين موزعين في جميع أنحاء القطاع.
وفيما يخص آليات الرقابة، أكد أبو جياب أن الحديث عن وجود رقابة فعلية بات صعبًا في ظل حرب الإبادة الجماعية، وغياب المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ما فتح المجال لظهور شبهات فساد متعددة في عمليات التوزيع، سواء لدى المنظمات الدولية أو المحلية، وحتى بين المندوبين ووكلاء التوزيع. وأوضح أن هذه التجاوزات باتت معروفة لدى المجتمع الفلسطيني، مع تحفظات عديدة على أداء المؤسسات وآلياتها.
واقترح أبو جياب بدائل لتعويض غياب الرقابة، مثل تعزيز الرقابة الذاتية داخل المؤسسات، أو تشكيل لجان شعبية للمراقبة والتقييم، حتى وإن كانت غير فاعلة بنسبة كاملة، إلا أنها قد تساهم في الحد من الفساد وتصويب مسار توزيع المساعدات. لكنه أشار إلى أن هذه البدائل لم تُفعّل حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
أكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية، أن إحدى أبرز التحديات التي تواجه العمل الإنساني في قطاع غزة تتمثل في غياب قاعدة بيانات مركزية موحدة للمواطنين. وأوضح أن عدة جهات رئيسية تعمل في هذا المجال، مثل برنامج الغذاء العالمي، وكالة الأونروا، ووزارة التنمية الاجتماعية، لكنّ الافتقار إلى نظام معلومات موحد يؤدي إلى ازدواجية في المعايير وصعوبة في تحديد الأولويات.
وأشار الشوا إلى أن قطاع الأمن الغذائي يشهد ملاحظات متكررة، خاصة فيما يتعلق بـ توزيع السلال الغذائية والمساعدات النقدية، حيث يُثار التساؤل حول آلية اختيار الفئات المستفيدة، في ظل الحاجة العامة للمساعدة نتيجة فقدان غالبية المواطنين لمصادر دخلهم.
وأوضح الشوا أن عدم وجود نظام موحد لتسجيل وتحديث بيانات المواطنين يؤدي إلى تفاوت في التغطية، حيث يقوم البعض بتسجيل وتحديث بياناته في أكثر من جهة، بينما يعتقد آخرون أن وجودهم في السجل المدني يكفي، ما يؤدي إلى تفاوت في أحقية الوصول إلى المساعدات.
وتحدث الشوا عن وجود إشكالية في تحديد الأولويات، إذ تُمنح الأولوية عادة لمخيمات النازحين، على الرغم من أن كافة فئات المجتمع بحاجة للمساعدة. كما تساءل: "من هي الفئة التي نبدأ بها في ظل شُح المساعدات؟" مشيرًا إلى أن هناك تفاوتًا في المعايير بين المؤسسات، فبعضها يفضل الأرامل، وأخرى كبار السن، وأخرى تركز على أسر الشهداء، أو الأسر الكبيرة، أو تلك المدرجة في قوائم وزارة الشؤون الاجتماعية.
ودعا الشوا إلى ضرورة وجود نظام شكاوى فعّال يتيح للمواطنين التعبير عن مظالمهم، لا سيما في ظل غياب قاعدة بيانات موحدة، مؤكدًا على أهمية الرقابة الشفافة والمساءلة. كما نوه إلى أن هناك بعض المؤسسات التي توزع المساعدات على موظفيها كبديل عن المكافآت، ما يثير البلبلة ، مشيرًا إلى وجود حالات اشتُبه فيها بوجود فساد، ما يتطلب فتح تحقيقات واضحة لتجنب هذه الإشكالات.
حمّل الشوا الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية ما سماه "هندسة التجويع"، من خلال منع دخول السلع والبضائع، ما أدى إلى إرباك كبير في العمل الإنساني وتحول غالبية السكان إلى الاعتماد الكامل على المساعدات.
قال وائل بعلوشة، مدير مكتب "أمان" في غزة، إن المؤسسات الإغاثية استجابت لحاجات المواطنين منذ اللحظة الأولى لبدء حرب الإبادة الجماعية، رغم تعرضها للنزوح وتدمير مقراتها واستهداف طواقمها. وأضاف أن تلك المؤسسات تمكنت من التخفيف من حدة الأزمة عبر استجابات عاجلة، وتجاوزت العديد من التحديات من خلال تطوير آليات تنسيق مشتركة وتقديم خدمات إغاثية مبتكرة في ظل ظروف معقدة للغاية.
وحول ملاحظات المواطنين على التوزيع، أوضح بعلوشة أن بعض الشكاوى برزت نتيجة لحالة الاحتياج الهائلة التي يعيشها أكثر من مليوني نازح، إلى جانب ضعف الإمكانيات المتاحة، مشيرًا إلى أن الاحتلال تعمد تقويض دور المؤسسات الإغاثية الرسمية والدولية والمحلية على حد سواء.
وأشار إلى أن مؤسسة أمان تعمل من خلال مسارين رئيسيين: الأول هو رفع وعي العاملين في القطاع الإغاثي بمتطلبات الشفافية والعدالة، حيث جرى تطوير دليل خاص لمنع الفساد في إدارة العمليات الإنسانية وقت الطوارئ. أما المسار الثاني، فيتمثل في استقبال شكاوى المواطنين المتعلقة بتوزيع المساعدات، والعمل على إحالتها للجهات المعنية بهدف تصويب الإجراءات وضمان تحقيق العدالة.
بدوره يؤكد مهدي حمدان، مستشار وزير الدولة لشؤون الإغاثة ومدير غرفة العمليات الحكومية للتدخلات الطارئة في المحافظات الجنوبية، أن الآليات التي تعتمدها الحكومة في توزيع المساعدات تستند إلى مبادئ العمل الإنساني، لا سيما الإنسانية والحياد والاستقلالية، بالتعاون مع المؤسسات الأممية ومؤسسات المجتمع المدني الناشطة.
ويضيف أن "الحكومة، ممثلة بوزارة التنمية الاجتماعية، تنظر إلى أن جميع عائلات قطاع غزة باتت تحت خط الفقر المدقع، وبالتالي فإنها تستحق الحصول على المساعدات الإغاثية. ولكن في ظل الظروف الراهنة، من إغلاق المعابر وتشديد الاحتلال على دخول المساعدات، فإن ما يُسمح بإدخاله لا يلبي حتى 1% من حجم الاحتياج الفعلي".
يشدد حمدان على أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع وجود ممرات إنسانية آمنة، ما يتسبب في عدم وصول المساعدات إلى مستحقيها، ويقول: "ما يدخل من مساعدات يصل في الغالب إلى المستودعات فقط، ولا يُوزع بشكل فعلي وفق الخطة، في محاولة من الاحتلال للإبقاء على حالة الفوضى".
ويشير إلى أن بعض المؤسسات تعتمد على قوائم خاصة بها ومنصات تسجيل منفردة، مما يخلق ازدواجية في توزيع المساعدات ويؤثر على العدالة في الوصول إلى المستفيدين.
تحدث حمدان عن تشكيل غرفة عمليات حكومية تضم 40 مؤسسة، تشمل الوزارات ذات العلاقة، ومؤسسات أممية ووطنية ودولية، إضافة إلى ممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني، بإجمالي 80 ممثلًا في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويقول: "منذ إعلان الهدنة في 19 يناير وحتى استئناف العدوان، كنا نتابع من خلال غرفة العمليات تنفيذ خطة الاستجابة الطارئة، ونسّقنا توزيع المساعدات بشكل موحّد مع جميع المؤسسات الشريكة".
لكنه يوضح أن التحديات ازدادت بعد عودة العدوان، ومع ذلك، تواصل غرفة العمليات تنسيق الحد الأدنى الممكن من المساعدات التي يُسمح بدخولها إلى القطاع.
يوضح حمدان أنه تم وضع آليات لاستقبال الشكاوى من خلال كافة الجهات الشريكة، وبمشاركة وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد وسلطة النقد ووحدة المتابعة المالية. ويؤكد أن بعض الشكاوى التي وردت بشأن شبهات فساد تم التعامل معها بجدية بعد التحقق منها.
وفيما يتعلق بالمساعدات النقدية، أشار إلى وجود مجموعة عمل إنسانية مختصة بهذا الشأن، تضم كافة المؤسسات الدولية والأممية العاملة في تقديم الدعم المالي، بالتنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية، من خلال سجل اجتماعي موحد.
وقال: "حتى تاريخ 30 مايو 2025، تم صرف دفعات نقدية طارئة لنحو 260,016 أسرة، دفعة واحدة، بينما حصلت 14,500 أسرة على دفعتين، و2161 أسرة على ثلاث دفعات".
يتابع حمدان من أن هناك شح في الدعم النقدي، في ظل السيطرة الإسرائيلية على المعابر واستمرار العدوان، ما يزيد من صعوبة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة في قطاع غزة.