الرئيسية »

شرعنة شرط السلامة الأمنية بتشريعات ثانوية إمعانٌ في مخالفة القانون الأساسي والقيم الديمقراطية

أثارت مسودة مشروع قرار مجلس الوزراء رقم ( ) لسنة 2022م بشأن نظام ترخيص المؤسسات الإعلامية، التي وردت فيها عبارة "عدم الممانعة الصادرة عن وزارة الداخلية" أي "السلامة الأمنية" 13 مرة شملت العديد من الأحكام المتعلقة بتعيين العاملين في قطاع الاعلام ومنح الرخص للمؤسسات الإعلامية، من جديد مسألة السلامة الأمنية للحصول على الأذونات والتراخيص أو التوظيف؛ خاصة أن هذا التوجه بدى في تعليمات ترخيص مراكز البحث العلمي رقم (1) لعام 2018م (غير المنشور في الوقائع الفلسطينية) الصادرة عن وزير التربية والتعليم العالي آنذاك باشتراط الحصول على حسن السير والسلوك من وزارة الداخلية لترخيص مراكز البحث العلمي وذلك في محاولة لشرعنة شرط السلامة الأمنية من خلال تضمينه في بعض النصوص التشريعية الصادرة اليوم عن السلطة التنفيذية (قرارات بقوانين تصدر عن الرئيس، انظمة ولوائح تصدر عن الحكومة، تعليمات تصدر عن الوزراء) في إطار استغلال صلاحية اصدار التشريع لتعزيز مكاسب خاصة بالحزب الحاكم على حساب المصلحة العامة كأحد الصور الواضحة لمفهوم الفساد السياسي.

الاستمرار في استخدام شرط السلامة الأمنية

يستخدم شرط السلامة الأمنية كتطبيق لشهادة حسن السير والسلوك في عدة مجالات هامة وحيوية في واقع المواطن الفلسطيني، من أبرزها تقلد بعض الوظائف والمناصب العامة، وكذلك الحصول على بعض الاذونات والرخص كرخصة السياقة العمومية، وتشكيل الجمعيات الخيرية والهيئات الاهلية، والحصول على المنح الدراسية. وقد برز استخدام هذا الشرط بشكل واضح في مجال الوظيفة العامة عقب الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة واستمر حتى تاريخ 23/4/2012 عندما أوقف مجلس الوزراء العمل بشرط السلامة الأمنية للتعيين في الوظائف العامة، والذي جاء بناء على قرار محكمة العدل العليا الصادر في العام 2012 والذي نص على إلغاء شرط السلامة الأمنية لتقلد الوظيفة العامة، معتبرة أنَّه يتعارض مع المبادئ التي أقرها القانون الأساسي.

بالرغم من ذلك فقد استمرت الحكومة الفلسطينية، وبخاصة خلال العامين الماضيين، في فرض شرط السلامة الأمنية ومحاولة شرعنته، حيث ومن خلال عدد من طلبات المناصرة التي وصلت ائتلاف أمان ومؤسسات مجتمع مدني حقوقية يتضح أن المجالات التي طبق فيها شرط السلامة الأمنية اتسعت لتشمل ايضا:

  • استصدار رخص الحرف والمهن التي تصدر عن وزارة المالية لممارسة العديد من الانشطة التجارية والاقتصادية.
  • ممارسة أعمال مأذون شرعي.
  • الحصول على حقوق مالية تقاعدية أو حقوق مالية (أجور مقطوعة) لمتعاقدين سابقين مع حكومات سابقة.
  •  التعيين في قوى الأمن (الدفاع المدني).
  • وهنالك أيضاً ادعاءات بأنَّ حجج حصر الإرث الشرعي تعرض اليوم من المحاكم الشرعية على الأجهزة الأمنية وتتأخر في بعض الأحيان إلى سبعة أشهر.

مخالفة شرط السلامة الأمنية للمبادئ والقواعد الدستورية

ينتهك شرط السلامة الأمنية (عدم الممانعة) العديد من الأحكام الدستورية المنصوص عليها في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل 2003 من أبرزها:

أولا: الحق في المساواة: الذي أكدت عليه المادة 9 من القانون الأساسي بنصها على انه: "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة".

ثانيا: مبدأ براءة الذمة: الذي أكدت عليه المادة 14 من القانون الأساسي بنصها على أنه: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه..." والذي يعني عدم جواز حرمان أي شخصه من حقوقه بافتراض أن سلوكه غير قويم أو غير حسن، طالما أن ذلك الحكم لم يصدر بموجب قرار قضائي عن محكمة مختصة.

  • الحق في تقلد الوظائف والمناصب العامة والحق في التجمع وحرية المشاركة السياسية، وفقا لما أكدت عليه المادة 26 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل للعام 2003 بنصها على أنَّه: "للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفرادا وجماعات ولهم على وجه الخصوص الحقوق الآتية: 1. تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقا للقانون. 2. تشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والأندية والمؤسسات الشعبية وفقا للقانون. 3. التصويت والترشيح في الانتخابات لاختيار ممثلين منهم يتم انتخابهم بالاقتراع العام وفقا للقانون. 4. تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص. 5. عقد الاجتماعات الخاصة دون حضور أفراد الشرطة وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون."

رابعا: الحق في حرية ممارسة النشاط الاقتصادي، وفقا لما أكدت عليه الفقرة الثانية من المادة 21 من القانون الأساسي بنصها على انه: "حرية النشاط الاقتصادي مكفولة، وينظم القانون قواعد الإشراف عليها وحدودها".

استمرار العمل بشرط السلامة الأمنية مخالف لقرارات محكمة العدل العليا "المحكمة الإدارية"

اعتبرت محكمة العدل العليا "المحكمة الإدارية" في قرارها "دعـوى عـدل عليـا رقم: 209/2009" و"دعوى عـدل عليـا رقم: 22/2009" أن موافقة الجهات الأمنية لا تعتبر شرطا لشغل الوظيفة العامة معللة قرارها:

  •  إنَّ قانون الخدمة المدنية قد حدد في المادة 24 منه التي جاءت متوافقة مع المبادئ التي كفلها القانون الأساسي والمتعلقة بحقوق الفلسطينيين في العمل والمشاركة في الحياة السياسية وحق تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص الشروط العامة التي يجب توافرها في المعين في وظيفة عامة ولم يرد ضمن هذه الشروط شرط موافقة الجهات الأمنية. وحيث أنَّ الفقه والقضاء الاداريين مستقران على أنه لا يجوز أن تضيف اللوائح والأنظمة والتعليمات والقرارات العامة عندما تصدر تنفيذا لقانون شروطا جديدة لم يتضمنها القانون لأن في ذلك مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات ولمبدأ التدرج في التشريع ويجعل إرادة السلطة التنفيذية تعلو على إرادة السلطة التشريعية التي وضعت القانون.
  • لم يرد في قانون المخابرات العامة لسنة 2005 وقانون الأمن الوقائي لسنة 2007 أن من ضمن مهام جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي الموافقة على تعيين الموظفين لشغل الوظائف العامة.
  • إن ممانعة الجهات الأمنية على تعيين المستدعي جاءت بصورة مرسلة وغير مسببة ودون أن ينسب للمستدعي افعال أو وقائع محددة ودلائل على صحة هذه الوقائع والافعال حتى تتمكن المحكمة من بسط رقابتها على صحتها ومشروعيتها .إن اعتبار توصيات الجهات الأمنية شرط لتقلد المناصب والوظائف العامة يهدم الاسس والمبادئ التي تقوم عليها المجتمعات المتحضرة المستندة في شرعيتها لسيادة القانون ويهدر حق المواطنين في المساواة وتكافؤ الفرص في تقلد الوظائف العامة .في ضوء ما تقدم وحيث أن الادارة سببت قرارها بإلغاء تعيين المستدعي بعدم موافقة الجهات الأمنية وحيث أن هذا السبب يخالف القانون فإن القرار المطعون فيه الأول يكون مشوبا بعيب السبب وحريا بالإلغاء .

موقف ائتلاف أمان من إجراء السلامة الأمنية "عدم الممانعة" كبديل عن شهادة عدم المحكومية

يرى الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) أَّنه لا يوجد مرجعية أو تعريف قانوني محدد يعرف ويحدد المقصود من مصطلح "السلامة أو الموافقة الأمنية أو المسح الامني أو عدم الممانعة الصادرة عن وزارة الداخلية"، حيث خلت التشريعات الفلسطينية من أي تعريف مباشر لهذا المصطلح، وجل ما ورد في تلك التشريعات استخدام مصطلح (حسن السير والسلوك أو حسن السيرة) التي يتم استخدامها من طرف وزارة الداخلية لإصدار هذه الشهادة؛ كمدخل للحصول على موافقة كل من جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي على منح تلك الشهادة، دون وجود أية مرجعية أو معايير معلنة وواضحة تحدد الشروط والمعايير المطلوب توافرها فيمن يتقدم للحصول على هذه الشهادة. الأمر الذي فتح المجال واسعا لاستخدام الانتماء والرأي السياسي كمعيار وشرط رئيسي في الحصول على هذه الشهادة، وأسهم في تفشي بعض مظاهر الواسطة والمحسوبية للحصول على هذه الشهادة، واتاح المجال لاستغلال النفوذ الوظيفي في منح هذه الشهادات.

ويشدد ائتلاف أمان على أنَّه وفقا للمادة 14 من القانون الأساسي فإنَّ الأصل بالإنسان براءة الذمة أيّ التعامل معه على أنَّه حسن السير والسلوك ما لم يكن هنالك حكم قضائي صادر بحقه دون أنْ يرد إليه اعتباره وفقا للقانون، وبالتالي فإنَّه من المفترض أنَّ من يدل أو يثبت على براءة أو عدم براءة ذمة الشخص هي شهادة عدم المحكومية وتعرف هذه الوثيقة بأنها: "وثيقة رسمية تقوم الإدارة العامة للسجل العدلي الوطني التابع لوزارة العدل بمنحها لطالبيها أو المفوضين بذلك قانونياً، تفيد بأن المستدعي لا يوجد بشأنه أية بيانات جنائية، ولم يصدر بحقهم أية أحكام قضائية باتة بجناية أو جنحة، بحيث تثبت براءة الشخص من أي حكم جزائي"

وبالتالي فإن استخدام شهادة حسن السير والسلوك الصادرة عن وزارة الداخلية لتقرير حالة الشخص وتاريخه الجنائي كبديل عن شهادة عدم المحكومية الصادرة عن وزارة العدل يمثل ليس فقط مخالفة دستورية للقانون الأساسي وقرارات المحكمة الإدارية "محكمة العدل العليا" والالتزامات الدولية المفروضة على دولة فلسطين نتيجة توقيعها على المعاهدات والمواثيق الدولية ذات العلاقة بالحقوق وحريات الانسان الأساسية، وانما هو ايضا تعدي من وزارة الداخلية والأجهزة التي تصدر شهادة حسن السير والسلوك على الاختصاصات الاصيلة لوزارة العدل بصفتها هي صاحبة الصلاحية قانونا بتقرير الحالة الجنائية للشخص استنادا لشهادة عدم المحكومية التي تصدر عنها.

وعليه، وانطلاقاً من حرص ائتلاف أمان على تعزيز مبدأ نزاهة الحكم ووقف اشكال الفساد السياسي، ودرءاً لحرمان المواطنين من حقوقهم الدستورية وخصوصا الحق في المشاركة السياسية والحق في التجمع والحق في حرية الرأي والتعبير والحق في حرية ممارسة النشاط الاقتصادي والحق في المساواة، وذلك بسبب انتمائهم السياسي أو لأسباب أخرى غير موضوعية تحت يافطة شرط الحصول على موافقة أمنية. ولأنَّ ائتلاف أمان يرى أنَّ في استخدام شهادة حسن السير والسلوك (عدم الممانعة) الصادرة عن وزارة الداخلية لتقرير حالة الشخص وتاريخه الجنائي كبديل عن شهادة عدم المحكومية الصادرة عن وزارة العدل يفتح المجال أمام تفشي بعض مظاهر الفساد كالواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ الوظيفي، ويمس جوهريا بمبدأ النزاهة في الحكم بصفته يمثل صورة من صور الفساد السياسي.

ولكون اصدار شهادة حسن السير والسلوك عن وزارة الداخلية واستخدامها بديلاً عن شهادة عدم المحكومية يمثل تعدي على الاختصاص القانوني لوزارة العدل وتدخلا من الامن في مجريات الحياة العامة ويكرس بالتالي مفهوم الدولة البوليسية.

 فإن ائتلاف أمان يوصي بالآتي:

  1. إلغاء شرطة السلامة الأمنية وذلك قياساً على ما جاء في أحكام محكمة العدل العليا الصادرة في العام 2012، وقرار مجلس الوزراء الصادر في 24/4/2012، والاستعاضة عنه أينما ورد بشهادة عدم المحكومية الصادرة عن وزارة العدل.
  2. الامتناع عن تضمين التشريعات الثانوية أيَّة نصوص تفرض الحصول على السلامة الأمنية أو عدم الممانعة التي تصدر عن وزارة الداخلية؛ كمسودة نظام ترخيص المؤسسات الإعلامية المتداول حالياً. وإلغاء النص الوارد في تعليمات ترخيص مراكز البحث العلمي رقم (1) لعام 2018م (غير المنشور في الوقائع الفلسطينية) الصادرة عن وزير التربية والتعليم العالي.
  3. ازالة اللبس والغموض في النصوص التشريعية التي تضمنت النص على "شهادة حسن سير وسلوك" حيث ينبغي إجراء تعديل قانوني بإصدار قرار بقانون؛ بالنظر إلى توفر حالة الضرورة في هذا الحكم يتضمن النص الآتي: " تستبدل عبارة "حسن سير وسلوك" أو عبارة "حسن السيرة" أينما وردت في التشريعات النافذة في فلسطين بعبارة " "شهادة عدم محكومية".

أنْ يقوم مجلس الوزراء بمخاطبة وزارة الداخلية بالتوقف عن إصدار شهادة حسن السير والسلوك والاستعاضة عنها بشهادة عدم المحكومية الصادرة عن وزارة العدل التزاماً بقرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 24/4/2012 القاضي بـ "وقف العمل بشرط الحصول على السلامة الأمنية لشغل الوظائف العامة والحصول على تراخيص العمل".